قصه

أغلى ما نملك

كنت قد تعرفت عليه قبل الغربة. كانت معرفتي به لا تتعدى تحية مصحوبة بابتسامة لزوم المجاملة. وشاء القدر أن نلتقي ثانية في الغربة. ولكن في الغربة تبني صداقات قد لا يستطيع المرء العيش بدونها. فصديق الغربة يحل محل الأخ والقريب. ذات يوم إتصل بي وطلب لقائي في مكان نتحدث به لوحدنا. فهمت أن الموضوع خاص ولا يريد أحدا أخر في المكتب ان يسمع حديثنا. إتفقنا أن نلتقي في مطعم قريب من كليتنا والذي كانت تديره سيدة اسيوية مسلمة. كنت أتردد على هذا المطعم دائما للطافة هذه السيده وربما لأنها في احدى المرات ابدت إعجابها الشديد بالملكة رانيا وذلك عندما عرفت أني من الأردن. قالت لي أنها – أي الملكة – جميلة جدا وانها معجبة بأناقتها.ـ

كعادتي دوما وصلت عشرة دقائق مبكرا على موعدنا. كان المطعم كمطاعم الأردن الشعبية. طلبت شرابا باردا -وهو عبارة عن شوكولاته بالحليب مع مكعبات الثلج- فقد كان الجو حارا رطبا. ولأن المطعم كان شعبيا فلم يكن هناك مكيفات وانما مراوح في السقف قد تؤدي الى حدوث غثيان لمن يجلس تحتها اكثر من ساعه. ولكن لهذه المراوح كانت هناك فائدة اخرى غير تلطيف الجو وهي ابعاد الذباب. لم تمض دقائق بعد طلبي الشراب حتى جاء صديقي.ـ

عندما طلب صديقي لقائي كنت فرحا جدا فقبل يومين من لقائنا حصل خلاف بينه وبين صديق لنا اخر. كنت اتوقع انه أراد الحديث بخصوص الخلاف الدائر بينهما . اعتقدت أنها فرصة مناسبة حتى اسمع منه وجهة نظره عن  سبب الخلاف وأحاول اقناعه بالعدول عن رأيه حول صديقنا. أردت أن أقول له أن ما جرى ما هو إلا لحظة غضب عارمه كان قد انتصر فيها الشيطان مؤقتا وان الصداقة أجمل شيء في هذه الدنيا.ـ

عندما حضر الى المطعم بدى مختلفا،  فأنا لم أره هكذا من قبل، بدى حزينا جدا. سألته إن أراد أن يشرب شيئا فطلب  كشرابي. بدأت أنا الحديث بالسؤال عن الحال والدراسة والأمور المعتادة. بعد الانتهاء من احاديث حالة الطقس والدراسة واحاديث المجاملات كان هناك لحظة صمت. شعرت بعدم الارتياح فأنا لست من أولئك الذين يظهرون مشاعرهم وخصوصا ليست مشاعر الحزن والألم. لم أعلم ماذا يجب ان أقول او ماذا علي أن أفعل. بدى لي واضحا أنه لم يكن سبب لقائنا للحديث عن خلافه مع صديقنا. ولأني لست من اولئك الذين يقولون ما يفكرون به في لحظة كهذه، او بالأحرى لست من الذين يعرفون ما يقولون في لحظة كهذه، كنت اكسر لحظات الصمت برشفة من شرابي وابدي اعجابي بلذة الشراب وأثره على ترطيب فمي. كانت مجرد محاولات فاشله لوضع ابتسامه او حتى ليبدأ صديقي بالكلام دون ان ابدأ انا بسؤاله.ـ

بعد انتهاء فترة احاديث المجاملات وحديثي عن مدى امتناني لاكتشاف شراب الشكولاته بالحليب مع مكعبات الثلج كان هو مازال لم يشرب شيئا من كأسه. كان واضحا أنه مشغول في أمر ما. ولكنها لحظات بعد ذلك حتى كسر الصمت وقال “صارلنا خمس سنين بنحاول”.ـ

لم أفهم شيئا حينها. ما علاقة هذا الكلام بما يدور بينه وبين صديقنا. فجميعنا تعرفنا على بعض في الغربة والتي لم يمض عليها أكثر من ثلاث سنوات وقبل ان اسال اي سؤال أتبع كلامه وقال “أنا وساره” وكان هذا اسم زوجته. فزدادت غرابة الموقف فما الذي يحاولان أن يفعلاه منذ خمس سنوات.ـ

خلال استهجاني للموقف وعدم معرفة ما يدوروأنا الذي عادة “بفهمها وهي طايره” كما يقولون أو بالأحرى كما اعتقد. كنت حائرا من كلام صديقي، لا أعلم ان كان دوري في الحديث ام انه سوف يتابع حديثه. وخلال تسرعي في البحث عن ما يجب ان اقول كانت قد بدت عليه علامات الحزن والألم. بدى وكأنه أراد البكاء، كانت عيناه حمراوتين. عرفت من خلال متابعته لحديثه أنه وزوجته يحاولان منذ زواجهما والذي مضى عليه خمس سنوات انجاب طفل ولكن محاولاتهم باءت بالفشل. فقد ذكر لي أنه ذهب الى عدة أطباء وجميعهم قالوا له انه لا مشكلة في الانجاب.ـ

ربما حينها كنت قد شعرت بألمه من شدة ما كان واضحا عليه مدى الحزن. ولكني لم أعرف ماذا أفعل أو أقول له،  كنت مذهولا. ماذا عساني أن أقول في لحظة كهذه حتى أخفف عنه. لم أفهم حينها لماذا يخبرني بذلك. كنت انظر واستمع له اما هو فكان يحاول ان لا ينظر الي وهو يتحدث. كانت بالنسبة له لحظة ضعف لم يشأ ان يريها احد. بالنسبة له كانت هذه لحظة خنوع واستسلام.ـ

حينها لم امسك يده كما تفعل النساء حين يواسين صديقة لهم ولم اضع يدي على كتفه كما يفعل بعض الرجال. كنت في منتصف العشرينات حينها انظر الى الأحداث بعين مختلفة تماما عنها وانا الآن في نهاية العقد الثالث. أعتقد اني الآن سوف اضمه واقول له اعرف تمام ما تعني.ـ

غريبة هذه الدنيا. فهناك من لم يتزوج ويتمنى الزواج. وهناك من تزوج ويتمنى الطلاق. وهناك من لم ينجب ويتمنى لو ينجب. وهناك من انجب ويتمنى لو لم ينجب. هناك من لم يسافر ويتمنى لو يسافر. وهناك من سافر ويتمنى لو لم يسافر.ـ

Advertisements
قصه

حظا أفضل غدا – قصة قصيرة

ألقى نظرةً من خلال ستار النافذة كنوع من الاطمئنان أو ربما أنه أراد أن يُلقي نظرةً أخيرةً. فتح النافذة وأخرج رأسه ثم إستنشق الهواء بنفسٍ خفيف. أراد أن يستنشق نفساً عميقا ولكنه لم يستطع بسبب برودة الجو. كانت الأرض مغطاة بطبقة بيضاء من الثلوج، أما السماء فكانت وكأنها مضاءة بسبب إنعكاس اللون الأبيض عليها. كانت الساعة الحادية عشر والنصف ليلاً. لم يكن أحد في الخارج. كان الصمت دليلاً على قساوة الجو فلا حيوانات ولا إناس في الخارج عدى أن طبقة الثلوج الكثيفة قد غطت كل شيء على الأرض كان ممكن أن يتحرك بفعل الريح. كان الصوت الوحيد المسموع هو صوت ريحٍ خفيفةٍ .ـ

إستنشق قليلاً من هواء فبراير القارس، وتأمل قليلاً وهو يستمع لصوت الهدوء المصحوب بحفيف ريح خفيفة. برغم برودة الجو كان جبينه عرِقاً. أدخل رأسهُ وأغلق النافذة ثم أسدل الستارة. كان يكره ستائر نوافذه فقد كانت كتلك التي تُستخدم في المكاتب. حاول مراراً أن يستبدل هذه الستائر البلاستيكية بأخرى، كتلك التي يشاهدها في منازل أصدقاءه، ولكن كَسَلهُ كان أقوى مما يحب. أو ربما أنه لم يجد سبباً مقنعاً ليغير هذه الستائر.ـ

جلس وسط الصوفا الوحيده الموجوده في الصالون. ولكنه لم يجلس ليرتاح فقد جلس على طرفها الأمامي موجهاً ظهره للأمام سانداً كوعيه على ركبتيه وواضعاً رأسه بين كفيه. كان ينظر الى طاولة الوسط التي أمامه. بعد ان إستجمع قواه بدأ بالعد:ـ

واحد …ـ

إثنين …ـ

ثلاثه …ـ

أربعه …ـ

خمسه …ـ

سته …ـ

كان  يتمتم العد كلما وضع طلقةً في إسطوانة مسدسه. كانت حركاته بطيئة جدا وكان عده بطيئاً عكس ضربات قلبه التي كانت تضرب بقوة وكأنها أرادت أن توقظه من غفلته. كانت يده ترتجف وهو يضع الطلقات واحدة تلو الأخرى. ولكنه كان قد صمم على تنفيذ ما يدور برأسه.ـ

عندما إنتهى من وضع جميع الطلقات أغلق إسطوانة المسدس ووضعه برفق وعناية شديدتين على الطاولة التي أمامه. كان العرق يتصبب من جبينه وكأنه كان يركض تحت أشعة شمس أغسطس.ـ

بعد أن وضع مسدسه على الطاولة قام ليجفف كفيه وجبينه المبتلين بالعرق. بعد أن قام أّنّبَ نفسه فقيامه قد يكون دليل على التراجع. أحس بجفاف شديد في فمه فذهب الى المطبخ وشرب ماءً بارداً من الثلاجة. وبينما هو يشرب تسآل لماذا لم يشرب من الحنفية هل يفعل هذا ليؤخر عمله علّه يتراجع عن ما هو مقدم عليه. وضع الكأس بسرعةٍ، وكأنه أراد ان لا يضيع الوقت او أن لا يتراجع عن قراره، وأحضر قطعة قماش ليجفف به قبضة المسدس التي كانت مبتلة من عرق يده.ـ

رجع الى الصالون وجلس وأمامه المسدس يحدق به. أمسك المسدس بقبضة قوية جداً وكأن أحداً يحاول أن يسحبه منه. رفعه وصوبه الى الجهة اليمنى من رأسه حتى لمسة فوهة المسدس صدغه الأيمن. ضغط بقوة شديدة على قبضة المسدس ومن ثم ضغط على الزناد. ولكنه لم يستطع أن يحركه. حاول الضغط عدة مرات وفي كل مرة كان يحاول جاهداً بقوة أكبر ولكنه لم يستطع أن يحرك الزناد. إعتقد انه لم يستطع الضغط على الزناد لأن  قوته قد خارت بسبب ما هو مقدم عليه.ـ

وضع المسدس على الطاولة حتى يجفف عرقه مرة أُخرى ويستعيد قوته. حاول مرة أخرى ولكنه لم يستطع الضغط على الزناد أيضاً. بعد عدة محاولات فاشله يئس ووضع المسدس على الطاولة. كان جسده منهكاً، أحس بوهنٍ شديد فأسند ظهره للخلف.ـ

بعد عدة دقائق فتح إسطوانة المسدس وقلبها على الطاولة حتى يخرج الطلقات. كانت الطلقات الستة مبعثرة على الطاولة أمامه. كان يتسآل أي واحدة من هذه الطلقات كانت من الممكن أن تكون داخل رأسه. أخذ يضع كل واحدة من الطلقات في مكانها المخصص في صندوق المسدس. كان الصندوق مصنوع من خشب الماهوغاني كتلك التي تستخدم لتخزين السيجار. أما من الداخل فكان الصندوق مُبطناً بمخملٍ أسود اللون. كان الصندوق مصمماً خصيصاً للمسدس فقد كانت هناك تجاويف خاصه للطلقات وللمسدس. أغلق الصندوق ووضعه في أعلى رف في خزانة ملابسه.ـ

كانت الساعة قد قاربت على منتصف الليل. نظر الى ساعة الحائط وقرر أن يذهب الى النوم حتى يستيقظ باكرا الى عمله في الغد. ذهب الى سريره لينام، وبينما هو مستلقٍ أحس بدمعة تنزل على خده مسحها وإضجع على جانبه الأيمن. أغلق عينيه وقال “ربما يحالفني الحظ غداً”.ـ

حيث أنه منذ أن اشترى المسدس لم يستخدمه كان صمام الأمان ما زال مغلقا للحماية عندما حاول استخدامه هذه المرة. وكان هذا هو السبب في عدم قدرته على الضغط على الزناد. ولكن هل كان يعلم أن صمام الأمان مغلق وكانت هذه مجرد محاولة يائسة منه للقيام بعمل يتمنى أن ينفذه يوما ما؟ أم أن قدرة إلهية أرادت له ان يعيش يوما آخر؟

قصه

البلدة الصغيرة

هذه قصه سمعتها من أحد الأصدقاء وأسردها لكم:ـ

 

يحكى أنه في مكان ما على هذه الأرض كان هناك بلدة صغيرة بها عشرة منازل فقط

كان جميع  أصحاب هذه المنازل يعملون في زراعة القمح ، وكانوا جميعا في سعادة وانسجام

ولكن كان هناك سر مشترك بين ابناء البلدة العشرة فقد كان كل واحد منهم يسرق قمحا من جاره طمعا في أن يزيد من غلته

ولأن الجميع كانوا يسرقون من بعضهم فقد كانت القرية في حالة من التوازن فما يسرق من أحدهم دون علمه يعوضه بما يسرقه هو من جاره

في أحد الأيام قرر أحدهم التوبة وعدم السرقة

ما حدث هو أنه عندما قرر هذا الشخص عدم السرقة لاحظ ان غلته في تناقص دائم ونتيجة لتكرار السرقة منه أصبحت عائلته تعاني نقصا في الطعام ادى الى احساسها بالجوع

وهكذا أصبح هناك خلل في توازن القرية بعد أن كانت في سعادة وانسجام.ـ

 

 

ملاحظه: هذه القصه لا تدعو او تشجع على السرقة ولكنها مجرد سرد لقصة قد تكون من الواقع أو من نسج خيال صديقي